عبد القادر الجيلاني
126
فتوح الغيب
--> - ومنهم من قال : هذا فيما إذا كانت أضداده محصورة ، فأما ما ليست أضداده محصورة فلا يكون النهي عنه أمرا بأحدهما ، كما يفرق بين الواجب المطلق والواجب المخير ، فيقال في المخيّر : هو أمر بأحد الثلاثة ، ويقال في المطلق : هو أمر بالقدر المشترك ، وجدّنا [ في نسخة : وجدي ] أبو البركات يميل إلى هذا . وقد ألزموا الكعبي إذا ترك الحرام بحرام آخر ، وهو قد يقول : عليه ترك المحرمات كلها إلى ما ليس بمحرّم ، بل إمّا مباح ، وإما مستحب ، وإما واجب . وتحقيق الأمر : أن قولنا : الأمر بالشيء نهي عن ضدّه وأضداده ، والنهي عنه أمر بضدّه ، أو بأحد أضداده . من جنس قولنا : الأمر بالشيء أمر بلوازمه ، وما لا يتم الواجب إلا به ، فهو واجب . والنهي عن الشيء نهي عمّا لا يتم اجتنابه إلا به [ في نسخة : إلا باجتنابه ] ، فإن وجود المأمور ( به ) يستلزم وجود لوازمه وانتفاء أضداده ، بل وجود كل شيء هو كذلك يستلزم وجوده وانتفاء أضداده ، وعدم النهي [ في نسخة : المنهي ] عنه ، بل وعدم كل شيء يستلزم عدم ملزوماته ، وإذا كان لا يعدم إلا بضدّ يخلقه كالأكوان ، فلا بدّ عند عدمه من وجود بعض أضداده . فهذا حقّ في نفسه ، لكن هذه اللوازم جاءت من ضرورة الوجود ، وإن لم يكن مقصوده الأمر [ في نسخة : تكن مقصودة للأمر ] . والفرق ثابت بين ما يؤمر به قصدا ، و ( بين ) ما يلزمه في الوجود . فالأول : هو الذي يذمّ ويعاقب على تركه بخلاف الثاني ، فإن من أمر بالحج أو الجمعة وكان مكانه بعيدا ، فعليه أن يسعى من المكان البعيد ، والقريب يسعى من المكان القريب ، فقطع تلك المسافات من لوازم المأمور به ، ومع هذا : فإذا ترك هذان الجمعة والحج لم تكن عقوبة البعيد أعظم من عقوبة القريب ، بل ذلك [ في نسخة : ذاك ] بالعكس أولى ، مع أن ثواب البعيد أعظم ، فلو كانت اللوازم مقصودة للآمر [ في نسخة : للأمر ] لكان يعاقب بتركها ، فكأن يكون [ في نسخة : تكون ] عقوبة البعيد أعظم وهذا باطل قطعا . وهكذا إذا فعل المأمور به فإنه لا بدّ من ترك أضداده ، لكنّ ترك الأضداد هو من لوازم فعل المأمور به ليس مقصودا للآمر [ في نسخة : للأمر ] ، بحيث أنه إذا ترك المأمور به عوقب على تركه لا على فعل الأضداد التي اشتغل بها ، وكذلك المنهي عنه مقصود الناهي عدمه ، ليس مقصوده فعل شيء من أضداده ، وإذا تركه متلبسا بضد له كان ذلك من ضرورة الترك . وعلى هذا : إذا ترك حراما بحرام آخر ، فإنه يعاقب على الثاني ، ولا يقال : فعل واجبا ، وهو ترك الأول ؛ لأن المقصود عدم الأول ، فالمباح الذي اشتغل به عن محرّم لم يؤمر به ، ولا بأمثاله ، كان [ في نسخة : ولا بامتثاله ] أمرا مقصودا ؛ لكن نهي عن الحرام ، ومن ضرورة ترك المنهي عنه الاشتغال بضدّ من أضداده ، فذاك يقع لازما لترك المنهي عنه ، فليس هو الواجب المحدود بقولنا : « الواجب ما يذمّ تاركه ، ويعاقب تاركه » أو : « يكون تركه سببا للذمّ والعقاب » . فقولنا : « ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب » أو : « ( لا ) يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب » . يتضمن إيجاب اللوازم . والفرق ثابت بين الواجب الأول والثاني ؛ فإن الأول يذمّ تاركه -